الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
298
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وتبعه البيضاوي يعني : أن الدك كناية عن التسوية لأن التسوية من لوازم الدك ، أي صارت الجبال مع الأرض مستويات لم يبق فيها نتوء . ولك أن تجعل صفة واحدة مجازا في تفرد الدكة بالشدة التي لا ثاني مثلها ، أي دكة لا نظير لها بين الدكات في الشدة من باب قولهم : هو وحيد قومه ، ووحيد دهره ، فلا يعارض قوله : دَكًّا دَكًّا بهذا التفسير . وفيه تكلف إذ لم يسمع بصيغة فاعل فلم يسمع : هو واحد قومه . وأما قوله تعالى : وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ف صَفًّا الأول حال من الْمَلَكُ و صَفًّا الثاني لم يختلف المفسرون في أنه من التكرير المراد به الترتيب والتصنيف ، أي صفّا بعد صفّ ، أو خلف صفّ ، أو صنفا من الملائكة دون صنف ، قيل : ملائكة كل سماء يكونون صفّا حول الأرض على حدة . قال الرضي وأما تكرير المنكّر في قولك ، قرأت الكتاب سورة سورة ، وقوله تعالى : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا فليس في الحقيقة تأكيدا إذ ليس الثاني لتقرير ما سبق بل هو لتكرير المعنى لأن الثاني غير الأول معنى . والمعنى : جميع السور وصفوفا مختلفة ا ه . وشذّ من المفسرين من سكت عنه . ولا يحتمل حمله على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله إذ لا معنى للتأكيد . وإسناد المجيء إلى اللّه إما مجاز عقلي ، أي جاء قضاؤه ، وإما استعارة بتشبيه ابتداء حسابه بالمجيء . وأما إسناده إلى الملك فإما حقيقة ، أو على معنى الحضور وأيّا ما كان فاستعمال ( جاء ) من استعمال اللفظ في مجازه وحقيقته ، أو في مجازيه . و الْمَلَكُ : اسم جنس وتعريفه تعريف الجنس فيرادفه الاستغراق ، أي والملائكة . والصف : مصدر صفّ الأشياء إذا جعل الواحد حذو الآخر ، ويطلق على الأشياء المصفوفة ومنه قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا [ الصف : 4 ] وقوله : فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا في سورة طه [ 64 ] . واستعمال وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ كاستعمال مجيء الملك ، أي أحضرت جهنم وفتحت أبوابها فكأنها ( جاء ) بها جاء والمعنى : أظهرت لهم جهنم قال تعالى : حَتَّى إِذا